الشباب في القرآن (110):إِمَّا يَبْلُغَنَّ عِنْدَكَ الْكِبَرَ أَحَدُهُمَا أَوْ كِلَاهُمَا فَلَا تَقُلْ لَهُمَا أُفٍّ

بسم الله، والحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله محمد خاتم النبيين، وعلى آله وصحبه، وعلى الأنبياء والمرسلين، آمين وبعد:

السلام على الشباب وعلى المستمعين جميعاً، ومرحباً بهم وأهلاً وسهلاً؛

اليوم أيها الشباب ندعوكم إلى مأدبةٍ حافلةٍ بالأدب وأحسن الخلق التي يريدها الله للأولاد أمام الوالدين، بل يوجبها الله على الأولاد في كل حال، وإنه لوجوب يسمو إلى مستوى عبادة الله ذي الجلال، فلنصغ إلى ربنا الجليل وهو يقول:

(وَقَضَى رَبُّكَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ..)، نعم هكذا قضى وهكذا شاء لنا أن نعبده وحده، ولا نشرك به شيئاً، أن لا نعبد شيئاً ولا أحداً من الخلق مهما تعظم وتعاظم إلا الله العلي العظيم، فكل متعاظمٍ سواه سقيم، وكل متعالٍ سواه دنيئ وضيع، وكل مستكبرٍ صغير حقير، إن العظمة والعلو، وإن الكبرياء والسمو، وإن الملك والحكم لله وحده، وله الحمد في السماوات والأرض، وله الحكم في الأولى والآخرة، ولا يشرك في حكمه أحداً، فهو وحده الذي يعبد ويحمد، وهو الذي يستحق أن يطاع ويقصد، بل لقد خلقنا لنعبده، وهو الغني الحميد وقضى أن نوحده، فهو الله أحد، الله الصمد، وهكذا فقد قضى الله أن يخلقنا لعبادته، وعليه فحياتنا يجب أن تكرس لإرادته، ومن أهم مظاهر عبادته، ومن أصدق تكريس الحياة لإرادته أن نكون مجندين لطاعته، وها هو الله الذي خلق ورزق، يأمرنا فيقول وقوله الحق:

(..وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا..).

وهذا التعبير أو هذه الصيغة تفيد الاهتمام والتأكيد على الإحسان، فكأن الولد يتحول ويتجسد أمام والديه إحساناً، فيكون هو الإحسان بذاته، وليس مجرد محسن أو موصوفاً بالإحسان، وهذا من أجمل التعابير، ومن أرقى الأساليب البلاغية الموضحة للمراد.

وعليه؛ فإن كل شابٍ وشابةٍ يعرف أنه مولودٌ من أبيه وأمه، وهنا فلا بد أن يكون الإحسان مجسداً في ذاته فهو كتلةٌ من الإحسان تسعى للوالدين، أو هو شجرةٌ من الإحسان ترعى الوالدين وتظللهما، وهما يجنيان فيها أحلى الثمار، فيا له من عطاءٍ جميل، يليق بالإنسان المستقيم الأصيل، وإذا كان الولد قد تجسد فيه الإحسان، ليستظل به الوالدان، فإنه لا يمكن أن يصدر منه إلا ما يسر ويشيع الأمان، ولهذا يقول الله عقب ذلك مخاطباً كل شابٍ وشابة:

(إِمَّا يَبْلُغَنَّ عِنْدَكَ الْكِبَرَ أَحَدُهُمَا أَوْ كِلَاهُمَا فَلَا تَقُلْ لَهُمَا أُفٍّ وَلَا تَنْهَرْهُمَا وَقُلْ لَهُمَا قَوْلًا كَرِيمًا(23))[سورة الإسراء].

أسمعتم أيها الشباب؟.

إن المراد أنه إذا كان الإحسان قد تجسد فيك لوالديك، فاستقم على هذا السلوك، فإن هما بلغا عندك وفي رعايتك مرحلة الكبر والشيوخة المرهقة، أو بلغ أحدهما تلك المرحلة، فيجب أن يزداد الإحسان عندك شفافية، وأن تمتد ظلاله الوارفة، فلا يسمع أحدها منك ما يجرح أو يزعج، بل تكون كلماتك كالنسيم السجسج؛

(فَلَا تَقُلْ لَهُمَا أُفٍّ).

وهي كلمةٌ تسمى اسم فعل، تومي إلى معنى التضجر والضيق، وإذا كان الله قد نهاك عن كلمة تومي إيماءً إلى تلك المعاني، فإن إظهار التضجر بشكلٍ عملي، أو بقولٍ صريحٍ يعني أنك قد أصبت والديك بجراحٍ دامية، وأثرت فيها آلاماً متوالية، وهذا لا يليق بما قدماه لك من جهودٍ متفانية، ثم إن عليك ألا تزيد على كلمة "أف" شيئاً أشد وهو قوله تعالى:

(وَلَا تَنْهَرْهُمَا).. أي لا ترفض ما يطلبان، ولا تستكثر ما تعطيه فتقطع بلا استئدان، ولا تعاكس رغبتهما بقولٍ شديدٍ، أو بحركةٍ تدل على الضيق، إن النهر للوالدين يعني إقلاق راحتهما، وتعكير صفوهما، وتدمير رضاهما عنك، وهذا أمرٌ لا يفيدك ويضر، وعملٌ يبطل إحسانك ويدمر، فاحرص على بقاء الإحسان معمراً مستقر، ثم ماذا بعد؟.

أن تكف نفسك عن كلمة أف، وعن النهر المؤسف، وأن عليك أن تظهر وتمد الكلام المريح المنصف الذي يهب نسيماً وهو؛

(وَقُلْ لَهُمَا قَوْلًا كَرِيمًا)..

فلا يسمعان منك إلا كلمات الحب والتكريم، والسخاء والتسليم، والحب الصادق والوفاء الوافر، والحنان القاصر، ومع القول الجميل الكريم، لا بد أن يظهر السلوك السلس السليم، الذي يدل على الاطمئنان لهما والاهتمام بهما، والاتساع لمطالبهما، والترحيب بوجودهما، والسرور بخدمتهما، ولهذا يقول الله:

(وَاخْفِضْ لَهُمَا جَنَاحَ الذُّلِّ مِنْ الرَّحْمَةِ..).

إنه الاستسلام والإذعان لهما، وإظهار الطاعة والرضا لهما، بصدق وصبر وبلا تكلف، فهذا هو السلوك السليم المنصف، والوفاء الجميل المشرف، ومع هذا القول الكريم، والسلوك السليم، والعمل الرحيم، والذل الخافض الجناح، والرضاء المشع بالارتياح، مع هذا كله لا بد أن نختم العمل بختام أجمل، ختامٍ كالمسك يفوح، وللقلوب يريح، وللنفوس يبهج، وللصدور يشرح، ولرحمة الله يستجدي ويستفتح، ذلك هو قول الله لنا:

(..وَقُلْ رَّبِّ ارْحَمْهُمَا كَمَا رَبَّيَانِي صَغِيرًا(24))[سورة الإسراء].

إن الرحمة هي المطلب الأهم والأعظم لكل مخلوقٍ وكل إنسانٍ ورحمةٍ وسعت كل شيءٍ وحي، ولكنه يختص عباده المتقين برحمة منه تسمو بهم إلى علاه، وتحيط بهداه، وتجعلهم من رفاق الصالحين من رسله وأنبياه.

وذلك هو المقام الأسنى، والمقعد الحق الأبقى، والمرتقى الأرقى، إن رحمة الله قريب من المحسنين، فدعوة الولد لوالديه تدخله معهما في المحسنين، والدعاء للوالدين سنة الأنبياء والمرسلين، فلقد دعى لهما نوح وإبراهيم، ووصف الله المؤمنين بذلك فقال:

(يَقُولُونَ رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا وَلِإِخْوَانِنَا الَّذِينَ سَبَقُونَا بِالْإِيمَان..(10))[سورة الحشر].

فكيف لا ندعو للوالدين بالرحمة وهما قد منحاك من رحمتهما الكثير، وصبرا عليك وأنت طفل صغير، وأحسنا تربيتك بعطاءٍ وفير، حتى أصبحت الآن ذا قدرةٍ وقوة، وقلبٍ وعقلٍ مستنير، فاشكر لهما ما قدما، وأوف لهما كما وفيا، واصبر عليهما كما ربيا، وتحمل ضعف الكبر منهما كما تحملا منك الضعف في الصغر، حتى أصبحت الآن في قوةٍ تستحق أن تشكر، هكذا ينصحنا الله أيها الشباب، وهكذا يوجب علينا السلوك أمام الوالدين بإحسان، وأن الشاب المحسن لا بد أن يطيع ويذعن، ويستجيب لربه ويوقن، ويقوم لوالديه بما يجب ولا يمن، فإن قام بذلك بدون إخلاصٍ ولا إحسان فعمله هباء منثور، وهو في النهاية يذهب ويبور، لأن الله يعلم ما في الصدور، ولهذا يقول لنا لنكون على بينةٍ من الأمور؛

(رَبُّكُمْ أَعْلَمُ بِمَا فِي نُفُوسِكُمْ إِنْ تَكُونُوا صَالِحِينَ فَإِنَّهُ كَانَ لِلْأَوَّابِينَ غَفُورًا(25))[سورة الإسراء].

يا للجلال والجمال!!

إنه يوصي ويحذر من التقصير، لأنه يعلم السر وأخفى، فيجب أن نحذره ونخشى، ليغفر لنا ويرضى، ويقبل أعمالنا ويسعدنا في الأولى والأخرى، على هذا أيها الشباب نودعكم..

وإلى اللقاء بإذن الله، والسلام عليكم ورحمة الله.




اترك تعليقك

%d مدونون معجبون بهذه: