التشبية في القرآن (14): فَمَثَلُهُ كَمَثَلِ الْكَلْبِ إِن تَحْمِلْ عَلَيْهِ يَلْهَثْ أَوْ تَتْرُكْهُ يَلْهَث ذَّٰلِكَ مَثَلُ الْقَوْمِ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا فَاقْصُصِ الْقَصَصَ لَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ

بسم الله الرحمن الرحيم، والحمد الله رب العالمين، والسلام على المستمعات والمستمعين، ومرحباً بهم أجمعين..

سنشاهد اليوم مشهداً لا نرضاه، للإنسان المتبع لهواه، وسنجد أنفسنا أمام صورةٍ مخيفةٍ، للنفوس المسرفة.

لن نطيل المقدمة، ولنباشر تلاوة الآية؛ فإن فيها للناس البينة. يقول الله في سورة الأعراف: (وَاتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ الَّذِي آتَيْنَاهُ آيَاتِنَا فَانسَلَخَ مِنْهَا فَأَتْبَعَهُ الشَّيْطَانُ فَكَانَ مِنْ الْغَاوِينَ * وَلَوْ شِئْنَا لَرَفَعْنَاهُ بِهَا وَلَكِنَّهُ أَخْلَدَ إِلَى الأَرْضِ وَاتَّبَعَ هَوَاهُ فَمَثَلُهُ كَمَثَلِ الْكَلْبِ إِنْ تَحْمِلْ عَلَيْهِ يَلْهَثْ أَوْ تَتْرُكْهُ يَلْهَثْ ذَلِكَ مَثَلُ الْقَوْمِ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا فَاقْصُصْ الْقَصَصَ لَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ) [الأعراف:175، 176].

إن القضية تشمل كل إنسانٍ، وتضع المثل لكل قومٍ في كل زمانٍ ومكانٍ؛ فالنبأ يتلى علينا عن شخصٍ واحدٍ؛ لكنه مرآةٌ للمجتمع الإنساني بأكمله، فآيات الله إنما أنزلت للإنسان ليهتدي بها وليرتدي بها رداء التقوى، وعلى الناس أن يستجيبوا لله وآياته، وأن يعملوا بهداه وبيناته؛ فإذا ابتعدوا عن هذا النور؛ سقطوا في وحلٍ وتبورٍ، واقتربوا من مخاطر التدمير؛ وهذا ما توضحه الآيات هنا، وتضعه في مثالٍ واضحٍ لنا؛ لعلنا نتفكر ونعي ما قيل لنا.

فهناك شخصٌ أوتي آيات الله فقرأها وفهم، وعرف ما يريده الله منه وعلم؛ لكنه لما علم تجاهل واستكبر، ولما لبس رداء الفهم خلعه عنه واستنفر، بل انسلخ عن الآيات انسلاخ المكابر، وخرج من هداه خروج الداعر، فكان صيداً سهلاً للشيطان، وأصبح للشيطان تابعاً في إذعان، ولبس الغي والغوى؛ بدلاً عن لباس الهدى والتقوى، وفارق المؤمنين الخاشعين إلى فريق الغاوين، وهكذا أصبح السلوك المنسلخ طبعاً له، وأصبح اللباس المتسخ شعاراً عليه.

لقد كره سبيل الرشد وأحب سبيل الغي، وعرف الحق ولكن بقلبٍ ميتٍ لا حيٍّ؛ فاستحق أن يسقط ولا يرتفع، وأن ينكب على هواه يندفع، وللشهوات يتبع، فكيف يهدي الله من كره آياته، وانخرط في سيئاته؟!

فلو علم الله فيه حياة لهداه، ولكنه ميت القلب فكيف يرفعه الله؟!

ولهذا يقول الله: (وَلَوْ شِئْنَا لَرَفَعْنَاهُ بِهَا) [الأعراف:176] أي بالآيات، ولأصبح بها في هدىً وثباتٍ، غير أنه لم يكن سعيداً بالآيات، ولا مستعداً لقبول البينات، وهذا هو ما يوضحه الله فيقول: (وَلَكِنَّهُ أَخْلَدَ إِلَى الأَرْضِ وَاتَّبَعَ هَوَاهُ) [الأعراف:176].

لقد هب إلى المتاع وانقض، وللآيات رفض، وأخلد إلى تراب الأرض، واطمئن إلى المتاع الفاني، ورفض آيات النور الباهي، وصار بالظلام راضياً، وبالضلال متباهياً؛ فهو يتبع الهوى باستسلام، ويظن اتباعه هو السلام.

فهو باتباع هواه في قلقٍ وهيام، فكلما نال متاعاً زاد به جوعاً، وكلما ظفر بشهوةٍ زاد بها ولوعاً، وكلما وقع في خطيئةٍ زاد إلى مثلها اندفاعاً.

إنه مغلولٌ بهواه، مقيدٌ بطغواه، متمردٌ على هداه، نافرٌ من آيات الله.

إن دعاه صوتٌ إلى خيرٍ انزعج، وإن نهاه عن شرٍّ تشنج، وإن دله على الاستقامة اختار العوج، فهو مخلول المزاج، مخبول الأوداج، منطفئ السراج، مشتعل اللجاج.

إنه مضطربٌ لا يستقر على حالٍ، ولا يهدأ له بالٌ، ولا يصدق في مقالٍ، ولا يفي بما قال.

هكذا هو المتبع هواه في كل حالٍ، وهذه صفاته التي يصورها الله بأوضح مثالٍ فيقول: (فَمَثَلُهُ كَمَثَلِ الْكَلْبِ إِنْ تَحْمِلْ عَلَيْهِ يَلْهَثْ أَوْ تَتْرُكْهُ يَلْهَثْ) [الأعراف:176].

إنه تشبيهٌ دقيقٌ مبينٌ، وصورةٌ صارخةٌ لهذا الكائن المهين، فهو رجلٌ حذرٌ قلقٌ، بطرٌ نزقٌ، موزع القوى متمزقٌ، مضطرب العيون محدقٌ، إن جئته بالسلام لهث وعوى، وإن لوحت له بالملام لهث وانزوى، وإن أظهرت له اللين نفرد واعتدى، وإن قطبت له الجبين كشر واشتكى.

فتبًّا له من حلافٍ مهينٍ، همازٍ مشاءٍ بنميمٍ، مناعٍ للخير معتدٍ أثيمٍ، عتلٍّ بعد ذلك زنيمٍ.

وهو مع كل هذه القسوة والجنون، سيء الظنون، ضعيفٌ مفتونٌ، يسقط عتوه للشهوة، ويذل خيلاءه للّذة، ويستعبده الريال، ويقوده جب الأوحال.

فهو في سبيل ذلك يرتكب أسوأ الأفعال، ولا يرعوي عن أردأ الأعمال، وكاذب الأقوال (فَمَثَلُهُ كَمَثَلِ الْكَلْبِ إِنْ تَحْمِلْ عَلَيْهِ يَلْهَثْ أَوْ تَتْرُكْهُ يَلْهَثْ).

نعم هكذا هو حال كل كلبٍ عقورٍ، وهذا هو شأنه المشهور، فإن حملت عليه بعصى أو حجرٍ لهث وهر، وإن تركته زاد لهاثاً ونفر، وإن صحت عليه التوى وأصر، وإن سكتّ عنه تعاوى وغدر، فهو مشكل الحال عجيبٌ، مخلولٌ مستريبٌ، وهكذا هو شأن المتبع هواه، المخلد إلى الأرض المحب لدنياه (ذَلِكَ مَثَلُ الْقَوْمِ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا فَاقْصُصْ الْقَصَصَ لَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ) [الأعراف:176].

فلنفكر ولنكن على علمٍ أن اتباع آيات الله هو السمو والسلام، وأن الانسلاخ عنها هو السقوط والآلام، وأنه ظلمٌ للنفس وظلامٌ، ولهذا يحذرنا الله منه ويقول: (سَاءَ مَثَلًا الْقَوْمُ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا وَأَنفُسَهُمْ كَانُوا يَظْلِمُونَ) [الأعراف:177].

والآن أيها الأعزاء الكرام، لقد حان موعد السؤال فاستمعوه باهتمامٍ.

هناك آيةٌ في الجزء الرابع عشر من القرآن تؤكد أن الذين كفروا بالقرآن المبين سيتمنون ذات يومٍ أنهم كانوا مسلمين؛ نرجو أن تعرفوا رقم الآية وسورتها، والسلام عليكم ورحمة الله.

 




اترك تعليقك

%d مدونون معجبون بهذه: