التشبيه في القرآن (24): وَمِنَ النَّاسِ وَالدَّوَابِّ وَالْأَنْعَامِ مُخْتَلِفٌ أَلْوَانُهُ كَذَٰلِكَ إِنَّمَا يَخْشَى اللَّـهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ إِنَّ اللَّـهَ عَزِيزٌ غَفُورٌ

بسم الله والحمد لله، والسلام على المستمعين ورحمة الله، ومرحباً بهم إلى حلقة اليوم.

اليوم سنعيش مع واحدٍ من التشبيهات الظمنية التي وردت في القرآن.

ولقد لاحظت أن علماء البيان أوردوا مثله للتشبيه الظمني من أشعار الشعراء ونثر الكتاب الأدباء؛ ولكنهم لم يوردوا مثالاً من القرآن، ظنًّا منهم أن ذلك لم يرد في القرآن.

والذي جعلهم يظنون ذلك أنهم يحسبون أن كل آيةٍ منفصلةٍ عما قبلها، وهذا وهمٌ لا يليق بالقرآن؛ الذي هو قمة البيان؛ لكن الله يفصل الآية عما قبلها بفاصلةٍ لتكون مستقلة الشخصية والمعنى، لكنها مرتبطة بما قبلها برباطٍ لطيفٍ لا يتبينه إلا من قدر الله حق قدره، وعرف أسرار البيان، وعلم أن القرآن أعلا قمةٍ في البيان؛ لأنه منزلٌ من الرحمن، الذي يعلم السر والإعلان.

وعلى أي حالٍ فقد أوردنا واحداً من أمثلة التشبيه الظمني في الحلقات التي تناولت آيات الإنفاق في سورة البقرة، حيث يقول الله: (أَيَوَدُّ أَحَدُكُمْ أَنْ تَكُونَ لَهُ جَنَّةٌ مِنْ نَخِيلٍ وَأَعْنَابٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الأَنْهَارُ لَهُ فِيهَا مِنْ كُلِّ الثَّمَرَاتِ وَأَصَابَهُ الْكِبَرُ وَلَهُ ذُرِّيَّةٌ ضُعَفَاءُ فَأَصَابَهَا إِعْصَارٌ فِيهِ نَارٌ فَاحْتَرَقَتْ..) [البقرة:266] إلى آخر الآية.

فلقد جاءت الآية تشبيهاً ظمنياً لمن لا ينفق أمواله في سبيل الله، أو يتبع إنفاقه بالمن والأذى؛ فإن ذلك يجعل المال ممحوقاً محترقا، تماماً كالثمرات التي أصابها إعصارٌ فيه نارٌ فاحترقت؛ فهو تشبيهٌ ظمني، يدعم القضية بأسلوبٍ جلي.

وإذا أردتم مثلاً من التشبيه الظمني في أشعار الشعراء؛ فذلك قول المتنبي رحمه الله:

لا يُعجبنَّ مَضِيمًا حُسْنُ بِزَّتِهِ       وهل يروقُ دَفِينًا جَوْدَةُ الكَفَنِ

وقوله:

مَنْ يَهُنْ يَسْهُلُ الهوانُ عليهِ        ما لِجُرحٍ بِمَيِّتٍ إِيْلاَمُ

لقد جاء التشبيه بأسلوبٍ ظمنيٍّ، ولم يأت فيه بأداة التشبيه على طريقة التشبيه المعروفة، بل أورده إيراد الحجة والدليل على ما ادعاه.

لقد ادعى أن المظلوم لا يسره اللباس الجيد ولا يفيده، ثم دلل على ذلك بالميت المكفن بكفنٍ غالٍ، فهل يسر الميت جودة الكفن؟.

وادعى أن الهَيِّن لا يُمَسُّ بالهوان، ثم دلل على ذلك بأن الجرح في الميت لا يؤلمه، وهذا الأسلوب الذي عرفناه هنا موجودٌ في القرآن بصورةٍ أجمل وأقوى.

وهذا ما سنعرفه في آيات اليوم حيث يقول الله في سورة فاطر مخاطباً رسوله محمد صلى الله عليه وآله وسلم: (إِنَّا أَرْسَلْنَاكَ بِالْحَقِّ بَشِيرًا وَنَذِيرًا وَإِنْ مِنْ أُمَّةٍ إِلاَّ خلاَ فِيهَا نَذِيرٌ) [فاطر:24].

إذن فما دام أنت مرسلٌ بالحق لتبشر الناس وتنذر؛ فاستقم واصبر فلست أول الصابرين.

ألست أول المنذرين؟! بل ما من أمةٍ من الأمم السابقة إلا قد سبق فيها نذيرٌ مثلك فبلغ وأدى المهمة وصبر رغم تكذيب قومه؛ لأنه يعلم أنه على الحق من ربه، وأنه قد بلغ رسالات ربه؛ فإذا كذب الناس فهذا شأنهم وأمرهم إلى ربهم، هكذا كان موقف كل نذيرٍ في أممهم، وأنت يا محمد واحدٌ منهم، فاقتد بهم واصبر كصبرهم، ولهذا يقول الله عقب ذلك:

(وَإِنْ يُكَذِّبُوكَ فَقَدْ كَذَّبَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ جَاءَتْهُمْ رُسُلُهُمْ بِالْبَيِّنَاتِ وَبِالزُّبُرِ وَبِالْكِتَابِ الْمُنِيرِ) [فاطر:25].

نعم جاؤوهم بكل هذا السيل من البينات ولكنهم كذبوا واتبعوا الشهوات، فماذا كان المصير؟!

إن الله يوضح ذلك فيقول: (ثُمَّ أَخَذْتُ الَّذِينَ كَفَرُوا فَكَيْفَ كَانَ نَكِيرِ) [فاطر:26].

لقد كان النكير شديداً، وكان الأخذ مبيراًَ، فلم يبق لهم أثر، ولم يبق إلا من آمن وادكر.

ولكي يطمئن الرسول أكثر ويصبر على من كذب وكفر؛ يوضح الله له أن الناس مختلفون في النفوس والقلوب، فمنهم من يستجيب ومنهم من يكذب، فلا يبتئس ولا ييأس، بل يستمر في البلاغ والإنذار، ولا يزعجه تعنت الكفار، فالناس مختلفون في الأفكار والأبصار.

وهذا الإيضاح يأتي في الآية التي تلي، حيث يبين الله هذا الاختلاف بأسلوب التشبيه الظمني فيقول: (أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ أَنْزَلَ مِنْ السَّمَاءِ مَاءً فَأَخْرَجْنَا بِهِ ثَمَرَاتٍ مُخْتَلِفًا أَلْوَانُهَا وَمِنْ الْجِبَالِ جُدَدٌ بِيضٌ وَحُمْرٌ مُخْتَلِفٌ أَلْوَانُهَا وَغَرَابِيبُ سُودٌ *  وَمِنْ النَّاسِ وَالدَّوَابِّ وَالأَنْعَامِ مُخْتَلِفٌ أَلْوَانُهُ كَذَلِكَ) [فاطر:27، 28].

إذن فالحياة وما تحويه من الأشجار والأحجار والجبال والدواب والأنعام مختلفة الأشكال والألوان، وما دام الأمر كذلك فالناس جزءٌ من هذه البيئة؛ فلا بد أن يكونوا مختلفين كذلك؛ فمنهم الطيب ومنهم الخبيث، ومنهم الخصب ومنهم النكد، ومنهم الناعم ومنهم القاسي، ومنهم اللين ومنهم الصلب، ومنهم الغافل الجاهل، ومنهم العالم العاقل.

وعليه فلن يستجيب لك يا محمد إلا العاقل العالم، ولهذا يختم الله الآية بقوله: (إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ غَفُورٌ) [فاطر:28].

أرأيتم كيف ورد التشبيه ظمنياً بأسلوب الاستفهام (أَلَمْ تَرَ) ثم أورد أمثلةً للاختلاف تدعم ما يرى من الاختلاف والتكذيب، وهذا الأسلوب في التشبيه أقوى وأجلى من التشبيه العادي؛ لأنه يورد المشبه به كالدليل على صحة المشبه، وكالحجة على صدق ما تقدم من الأنباء، وإذن فإن التكذيب للرسل شأنٌ مألوفٌ؛ لأن الناس كالعناصر الأخرى تختلف، فمن كذب فهم أولوا الألوان العمياء، ومن استجاب فهم العلماء.

وبعد أن اتضح لنا التشبيه الضمني في الآيات، بقي أن نعرف معنىً هامًّا ختمت به الآيات، وهو قوله تعالى: (إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ).

فماذا تعني هذه الجملة؟، إنها مثل قوله تعالى في سورة يس بعد أن أكد أن أكثرهم لا يؤمنون: (إِنَّمَا تُنذِرُ مَنْ اتَّبَعَ الذِّكْرَ وَخَشِيَ الرَّحْمَانَ بِالْغَيْبِ فَبَشِّرْهُ بِمَغْفِرَةٍ وَأَجْرٍ كَرِيمٍ) [يس:11].

يعني أنه لا يمكن أن يتزكى، ثم يعرف ربه فيخشى، إلا من في قلبه استعدادٌ لهذا المقام الأسمى؛ أما المهان الملوث بالهوى؛ فإنه أعمى لا يرى إلا الشهوات ولا يؤمن إلا باللذات، إذن فالعلماء هنا هم الذين يعرفون الله حق معرفته، ويقدرونه حق قدره، ويوقنون بأنه الخلاق العليم، والرزاق الكريم، وأنه الغفور الرحيم، وأنه الغني الحميد ذو العرش المجيد، فعالٌ لما يريد، فلا يعجزه شيءٌ ولا يعزب عنه مثقال ذرةٍ في الأرض ولا في السماء، وهو على كل شيء قدير، وبعباده خبيرٌ بصير، لا يخفى عليه شيءٌ في الأرض ولا في السماء وهو العليم بذات الصدور، وهذا هو العلم الذي يصح أن يسمى العارفون به بالعلماء، فهم على الله يعتمدون، وله يسلمون، وعليه يتوكلون، وبه وبآياته يؤمنون، وله يخبتون، ومنه يخشون وله يخشعون ويركعون في كل حينٍ؛ لأنهم يعلمون أن العزة لله جميعاً لمن يريد، وأنهم إليه الفقراء وهو الغني الحميد، فمن ذل له كان عزيزاً، ومن افتقر إليه عاش في غنىً، ومن خاف منه ذاق السلام والأمن، ومن آمن بآياته ارتفع وسمى، وفاز في الدنيا والأخرى، ويسره الله لليسرى؛ ولأنهم يعلمون قول الله: (إنَ تَكْفُرُوا فَإِنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ عَنْكُمْ وَلاَ يَرْضَى لِعِبَادِهِ الْكُفْرَ وَإِنْ تَشْكُرُوا يَرْضَهُ لَكُمْ) [الزمر:7].

ورضا الله هو المطمع الأسنى، وشكر الله هو السبيل إلى زيادة العطاء. وكيف لا والله هو العزيز الغالب على أمره، ومن الخير أن يستقيم الناس على شكره؛ لينالوا مغفرته، ويفوزوا برحمته في الدنيا والآخرة، ولهذا يختم الآية بقوله: (إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ غَفُورٌ) [فاطر:28].

وهكذا فإن العلماء يخشونه لأنهم علموا قدره فعظموه، ولكن من أين جاءهم العلم، وكيف أصبحوا علماء؟.

لقد جاءهم العلم من خلال اتباع الرسول، وتلاوة الآيات والترتيل؛ فنالوا الجزاء الجزيل، والله يصفهم فيقول:

(إِنَّ الَّذِينَ يَتْلُونَ كِتَابَ اللَّهِ وَأَقَامُوا الصَّلاَةَ وَأَنْفَقُوا مِمَّا رَزَقْنَاهُمْ سِرًّا وَعَلاَنِيَةً يَرْجُونَ تِجَارَةً لَنْ تَبُورَ * لِيُوَفِّيَهُمْ أُجُورَهُمْ وَيَزِيدَهُمْ مِنْ فَضْلِهِ إِنَّهُ غَفُورٌ شَكُورٌ) [فاطر:29، 30] صدق الله العظيم.

وبعد أيها الأعزاء فقد حان موعد السؤال فاسمعوه بإمعان.

هناك في الجزء الرابع والعشرين من القرآن آيةٌ واحدةٌ عظيمة البيان، تخبرنا أن كل شيءٍ في الأكوان يسبح الله بإيمان، ويستغفر لمن آمن من بني الإنسان.

نرجو أن تعرفوا رقمها وسورتها، والسلام عليكم ورحمة الله.




اترك تعليقك

%d مدونون معجبون بهذه: