القرآن في القرآن (20):وَقُرْآنًا فَرَقْنَاهُ لِتَقْرَأَهُ عَلَى النَّاسِ عَلَى مُكْثٍ

بسم الله والحمد لله ، والصلاة والسلام على محمد رسول الله وخاتم النبيين، وعلى الأنبياء والمرسلين أجمعين، وعلى من اتبعهم بإحسانٍ آمين..وبعد:

السلام عليكم أيها المستمعون، ومرحباً بكم إلى حلقة اليوم، ونرجو الله أن نكون ممن قالوا سمعنا وأطعنا؛ فلقد استمع الجن القرآن وآمنوا به وعرفوا أهم الحقائق التي فيه وبلغوها إلى قومهم: (قُلْ أُوحِيَ إِلَيَّ أَنَّهُ اسْتَمَعَ نَفَرٌ مِنْ الْجِنِّ فَقَالُوا إِنَّا سَمِعْنَا قُرْآنًا عَجَبًا(1)) [سورة الجن].

ثم إن الله هو الذي صرفهم إليه وهداهم للاستماع: (وَإِذْ صَرَفْنَا إِلَيْكَ نَفَرًا مِنْ الْجِنِّ يَسْتَمِعُونَ الْقُرْآنَ..(29)) [سورة الأحقاف].

ومن هذا نفهم أنهم كانوا يحضرون في كل موقف يقرأ فيه الرسول القرآن، وهكذا ندرك أن الرسول صلى الله عليه وسلم لم يكن يتوقف عن مهمته وهي قراءة القرآن على الناس؛ بل كان يواصل ذلك في كل ملتقى وفي كل مجال، وهذه هي مهمته التي كلفه الله بها:

(وَقُرْآنًا فَرَقْنَاهُ لِتَقْرَأَهُ عَلَى النَّاسِ عَلَى مُكْثٍ وَنَزَّلْنَاهُ تَنزِيلًا(106)) [سورة الإسراء].

(وَاتْلُ مَا أُوحِيَ إِلَيْكَ مِنْ كِتَابِ رَبِّكَ لَا مُبَدِّلَ لِكَلِمَاتِهِ وَلَنْ تَجِدَ مِنْ دُونِهِ مُلْتَحَدًا(27)) [سورة الكهف].

ولقد كان الرسول يتلو ويقرأ القرآن، وكان المشركون يتعجبون ويحسون بأثره في الناس وينزعجون: (وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لَا تَسْمَعُوا لِهَذَا الْقُرْآنِ وَالْغَوْا فِيهِ لَعَلَّكُمْ تَغْلِبُونَ(26)) [سورة فصلت].

فالمغالبة والعراك قائم بين الرسول الذي يتلو القرآن، والمشركين الذين يقلقهم هذا الإصرار على قراءة القرآن؛ ولهذا يقول الله: (وَإِذَا قَرَأْتَ الْقُرْآنَ جَعَلْنَا بَيْنَكَ وَبَيْنَ الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ حِجَابًا مَسْتُورًا(45)وَجَعَلْنَا عَلَى قُلُوبِهِمْ أَكِنَّةً أَنْ يَفْقَهُوهُ وَفِي آذَانِهِمْ وَقْرًا وَإِذَا ذَكَرْتَ رَبَّكَ فِي الْقُرْآنِ وَحْدَهُ وَلَّوْا عَلَى أَدْبَارِهِمْ نُفُورًا(46)) [سورة الإسراء].

ومع نفورهم وانغلاق قلوبهم عن فهم القرآن؛ فإنهم يواصلون الحوار عنه، ويتناجون فيما بينهم سراً بالكيد؛ لكن الله يعلم النجوى: (نَحْنُ أَعْلَمُ بِمَا يَسْتَمِعُونَ بِهِ إِذْ يَسْتَمِعُونَ إِلَيْكَ وَإِذْ هُمْ نَجْوَى إِذْ يَقُولُ الظَّالِمُونَ إِنْ تَتَّبِعُونَ إِلَّا رَجُلًا مَسْحُورًا(47)انظُرْ كَيْفَ ضَرَبُوا لَكَ الْأَمْثَالَ فَضَلُّوا فَلَا يَسْتَطِيعُونَ سَبِيلًا(48)) [سورة الإسراء].

وهكذا فالعراك مستمر، والحوار مستعر، والجو متوتر، لكن الرسول يتلو القرآن ويقرأه موقناً بأنه المنتصر؛ وكيف لا وهذه هي مهمته التي حصر عليها وحصرت عليه، فلقد جاء في سورة النمل بطريق الحصر والقصر قوله تعالى: (إِنَّمَا أُمِرْتُ أَنْ أَعْبُدَ رَبَّ هَذِهِ الْبَلْدَةِ الَّذِي حَرَّمَهَا وَلَهُ كُلُّ شَيْءٍ وَأُمِرْتُ أَنْ أَكُونَ مِنْ الْمُسْلِمِينَ(91)وَأَنْ أَتْلُوَ الْقُرْآنَ..)؛ فإنما تفيد الحصر والقصر، ولهذا فقد تدارك المهمة بصبر واستبصار، موقناً بربه الذي كلفه واختار؛ ولهذا فإننا نقرأ بعد ذلك: (..فَمَنْ اهْتَدَى فَإِنَّمَا يَهْتَدِي لِنَفْسِهِ وَمَنْ ضَلَّ فَقُلْ إِنَّمَا أَنَا مِنْ الْمُنذِرِينَ(92)وَقُلْ الْحَمْدُ لِلَّهِ سَيُرِيكُمْ آيَاتِهِ فَتَعْرِفُونَهَا وَمَا رَبُّكَ بِغَافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ(93)).

ومثل هذه الآية جاء في سورة الرعد ما يوضح مهمة الرسول: (كَذَلِكَ أَرْسَلْنَاكَ فِي أُمَّةٍ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهَا أُمَمٌ لِتَتْلُوَ عَلَيْهِمْ الَّذِي أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ وَهُمْ يَكْفُرُونَ بِالرَّحْمَانِ قُلْ هُوَ رَبِّي لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ مَتَابِ(30)) [سورة الرعد].

ولقد استمر الرسول يتلو ويبلغ، ويقرأ ويرتل، والناس من حوله بين مهتم ونافر، ومؤمن وكافر، وهو على مهمته مثابر: (وَقُلْ الْحَقُّ مِنْ رَبِّكُمْ فَمَنْ شَاءَ فَلْيُؤْمِنْ وَمَنْ شَاءَ فَلْيَكْفُرْ..(29)) [سورة الكهف]، (وَمِنْهُمْ مَنْ يُؤْمِنُ بِهِ وَمِنْهُمْ مَنْ لَا يُؤْمِنُ بِهِ وَرَبُّكَ أَعْلَمُ بِالْمُفْسِدِينَ(40)) [سورة يونس].

ولكن الرسول مع هذا كان يضيق بالمكذبين، والله ربه يشد أزره ويخفف عنه: (طه(1)مَا أَنْزَلْنَا عَلَيْكَ الْقُرْآنَ لِتَشْقَى(2)إِلَّا تَذْكِرَةً لِمَنْ يَخْشَى(3)) [سورة طه]، (وَإِنْ كَذَّبُوكَ فَقُلْ لِي عَمَلِي وَلَكُمْ عَمَلُكُمْ أَنْتُمْ بَرِيئُونَ مِمَّا أَعْمَلُ وَأَنَا بَرِيءٌ مِمَّا تَعْمَلُونَ(41)) [سورة يونس]، (فَإِنْ عَصَوْكَ فَقُلْ إِنِّي بَرِيءٌ مِمَّا تَعْمَلُونَ(216)وَتَوَكَّلْ عَلَى الْعَزِيزِ الرَّحِيمِ(217)الَّذِي يَرَاكَ حِينَ تَقُومُ(218)وَتَقَلُّبَكَ فِي السَّاجِدِينَ(219)إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ(220)) [سورة الشعراء].

ولأن ربه هو السميع العليم؛ فإنه يطمئنه حتى وهو يتلقى القرآن؛ ويدله كيف يتعامل مع الوحي بتأنٍ واطمئنان: (فَتَعَالَى اللَّهُ الْمَلِكُ الْحَقُّ وَلَا تَعْجَلْ بِالْقُرْآنِ مِنْ قَبْلِ أَنْ يُقْضَى إِلَيْكَ وَحْيُهُ وَقُلْ رَبِّ زِدْنِي عِلْمًا(114)) [سورة طه].

فما على الرسول إلا أن يتلقى القرآن باطمئنانٍ موقناً بأن ربه عليمٌ بالسر وأخفى، مسبحاً اسم ربه الأعلا؛ الذي خلق فسوى؛ فلقد قال له: (سَنُقْرِئُكَ فَلَا تَنسَى(6)إِلَّا مَا شَاءَ اللَّهُ إِنَّهُ يَعْلَمُ الْجَهْرَ وَمَا يَخْفَى(7)) [سورة الأعلى].

إنه وعدٌ من ربه فليكن مطمئناً قلبه، وقال له: (اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ(1)خَلَقَ الْإِنسَانَ مِنْ عَلَقٍ(2)اقْرَأْ وَرَبُّكَ الْأَكْرَمُ(3)الَّذِي عَلَّمَ بِالْقَلَمِ(4)عَلَّمَ الْإِنسَانَ مَا لَمْ يَعْلَمْ(5)) [سورة العلق].

وما دام ربه هو الذي خلق فسوى، وهو الذي قدر فهدى، وهو العليم المعلم؛ فليكن على يقين بأن القرآن سيبقى ثابتاً في قلبه، حياً في لسانه؛ فما عليه إلا أن يبلغ ويقرأ؛ بل أن ربه معه حين يتلقى، ومعه حين يقرأ، بل وربه لا سواه هو المتولي شأن القرآن جمعاً وبياناً وحفظاً (لَا تُحَرِّكْ بِهِ لِسَانَكَ لِتَعْجَلَ بِهِ(16)إِنَّ عَلَيْنَا جَمْعَهُ وَقُرْآنَهُ(17)فَإِذَا قَرَأْنَاهُ فَاتَّبِعْ قُرْآنَهُ(18)ثُمَّ إِنَّ عَلَيْنَا بَيَانَهُ(19)) [سورة القيامة].

إن من جعل المسيح يتكلم في المهد؛ هو الذي سيقرئ رسوله محمد، وما عليه إلا أن يبلغ ويتلو ما أوحي إليه، ولا يحزن ممن جحد، فالله يعلم بمن يؤمن ويعلم بالمفسد، وكلهم إلى ربه يعود: (فَإِنَّكَ لَا تُسْمِعُ الْمَوْتَى وَلَا تُسْمِعُ الصُّمَّ الدُّعَاءَ إِذَا وَلَّوْا مُدْبِرِينَ(52)وَمَا أَنْتَ بِهَادِي الْعُمْيِ عَنْ ضَلَالَتِهِمْ..) [سورة الروم].

إن هؤلاء أنواع من الناس لا يمكن أن يستجيبوا: (إِنْ تُسْمِعُ إِلَّا مَنْ يُؤْمِنُ بِآيَاتِنَا فَهُمْ مُسْلِمُونَ(53)) [سورة الروم].

موسيقى

وبعد أيها الإخوان، فإن السؤال الآن؛

ستجدون في الجزء العشرين من القرآن، آية كريمة تأمر الرسول بتلاوة ما أوحي إليه، وتوجب الصلاة عليه؛ نرجو أن تعرفوا الآية رقماً والسورة اسماً والسلام عليكم ورحمة الله.




اترك تعليقك

%d مدونون معجبون بهذه: