المال في القرآن (21): اأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ إِلا أَنْ تَكُونَ تِجَارَةً عَنْ تَرَاضٍ مِنْكُمْ وَلا تَقْتُلُوا أَنفُسَكُمْ إِنَّ اللَّهَ كَانَ بِكُمْ رَحِيمًا

لقد انتهينا في الموضوع العشرين من تلك القضية الهامة التي تناولتها الآيات الأخيرة من سورة البقرة؛ إنها قضية إنفاق الأموال في المشاريع الاستثمارية التي تستوعب العمالة وتسد أبواب البطالة، وتوفر للعمال الأجور العادلة، وتحسن معهم في المعاملة، تجيد الإنتاج، وتحرص على التطوير والتحسين في كل حين، ولا تقارب المَنَّ والأذى للعاملين أو للمتعاملين معها، أو للمستهلكين من المواطنين.

فهذا هو الضمان الدائم لنمو المجتمع وسلامة المسيرة على طريق النمو للمستثمرين وأموالهم، ومع النمو المضاعف للمخلصين منهم؛ فإن الله يعدهم ويعد المجتمع المسلم المستقيم على هذا السبيل المهم؛ يعد الجميع بقوله: (لَهُمْ أَجْرُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ وَلا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ)[البقرة:262]، نعم؛ لقد عرفنا كل ذلك بإسهابٍ، ونريد اليوم أن نضيف إلى ذلك موعظةً عامةً لكل الناس المؤمنين أولي الألباب، لا بد من إقامتها في سياسة المال بلا ارتياب.

لقد جاء في سورة البقرة عقب آيات الصيام مباشرةً: (وَلا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ وَتُدْلُوا بِهَا إِلَى الْحُكَّامِ لِتَأْكُلُوا فَرِيقًا مِنْ أَمْوَالِ النَّاسِ بِالآثْمِ وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ)[البقرة:188].

لقد جاءت الآية عقب آيات الصيام وبدون أن تصدّر بذلك النداء المعهود في كل أمر ٍونهيٍ يرد من الله وهو: (يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا) ، لماذا لم تصدر هذه الآية بهذا النداء بل ألحقت بآيات الصيام وكأنها جزءٌ منها؟.

لعل ذلك لأن الله يريد أن يقول لنا أن الصيام الحقيقي هو الصيام عن أكل الأموال بيننا بالباطل، إن الصيام المفروض في رمضان المكتوب لعدة أيام قد صدرت آياته بقوله تعالى: (يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمْ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ)[البقرة:183].

لقد بدأت الآية بالنداء، ولقد أغنى هذا النداء في أول آيات الصيام عن تكراره في آية أكل الأموال عقب الآيات ليشعرنا أن الأمر واحدٌ، وأن الموضوع متصلٌ؛ فالهدف من الصيام هو (لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ) ، وإذن فلتستمر التقوى طوال العام، وفي كل الأيام، وأهم مظاهر التقوى هو الصيام عن أكل المال الحرام؛ فالمال مال الله، والناس مستخلفون فيه وليسوا دائمين عليه، ولا هو دائمٌ لهم؛ فليكن لهم معراجاً إلى جنات الخلود في عليين، ولا يجعلوه حملاً يرديهم في أعماق الجحيم.

ولتأكيد هذه الملاحظة؛ فإن الله يبدأ آيةً أخرى تتناول نفس المعنى في سورة النساء، يبدأها بالنداء للمؤمنين فيقول: (يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ إِلا أَنْ تَكُونَ تِجَارَةً عَنْ تَرَاضٍ مِنْكُمْ وَلا تَقْتُلُوا أَنفُسَكُمْ إِنَّ اللَّهَ كَانَ بِكُمْ رَحِيمًا)[النساء:29].

ولقد جاءت هذه الآية عقب آياتٍ تبين ما حرم الله علينا من النساء وما أحله لنا من نكاحها، وكأن الله يريد لنا الطهر والعفاف في علاقاتنا الجنسية والمالية فهو يقول: (وَاللَّهُ يُرِيدُ أَنْ يَتُوبَ عَلَيْكُمْ وَيُرِيدُ الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الشَّهَوَاتِ أَنْ تَمِيلُوا مَيْلاً عَظِيمًا * يُرِيدُ اللَّهُ أَنْ يُخَفِّفَ عَنْكُمْ وَخُلِقَ الآنسَانُ ضَعِيفًا)[النساء:27، 28].

وهكذا وردت الآيتان المتناولة لهذه القضية المالية في سورتي البقرة والنساء عقب موضوعين هامين هما في البقرة واجب الصيام وفي النساء ما بينه الله في نكاحهن من الحرام؛ فالآيتان والموضوعان يهدفان إلى تطهير المجتمع المؤمن من كل الآثام ومن كل الشهوات التي تجعلهم كالأنعام، ومن كل العلاقات التي تثير الحقد والخصام، فالله يريد للمؤمن السمو والارتفاع إلى أعلا مقام، مقام الأنبياء والصديقين والشهداء والصالحين وحَسُن أولئك رفيقاً، وإنه لمقامٌ يستحق أن نجاهد للارتقاء إليه وللِّحاق بالسابقين فيه؛ فذلك متاحٌ لكل مؤمنٍ غير محجورٍ عليه.

وكيف لا والله سبحانه وتعالى يعلمنا أن ندعوه في كل صلاةٍ بقوله: (اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ * صِرَاطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ)[الفاتحة:6، 7].

ومن هم الذين أنعم الله عليهم؟.

إنهم الأنبياء الكرام، (أُوْلَئِكَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنْ النَّبِيِّينَ مِنْ ذُرِّيَّةِ آدَمَ وَمِمَّنْ حَمَلْنَا مَعَ نُوحٍ وَمِنْ ذُرِّيَّةِ إِبْرَاهِيمَ وَإِسْرَائِيلَ وَمِمَّنْ هَدَيْنَا وَاجْتَبَيْنَا إِذَا تُتْلَى عَلَيْهِمْ آيَاتُ الرَّحْمَانِ خَرُّوا سُجَّدًا وَبُكِيًّا)[مريم:58].

فنحن مدعوون لهذا المقام بشكلٍ عامٍّ، فمن استطاع فليتقدم فإنه مؤهلٌ وله الإكرام من ربه العلام، فنعم أجر العاملين، ونعم المقام الرفيع المكين، لعل المستمع سيسأل أو يعترض فيقول: الموضوع هو المال، فكيف استطردت في هذه الحلقة إلى غيره من المواضيع الواسعة المجال؟ فلماذا لم توضح لنا معنى الآيتين فهذا هو الموضوع الذي يكرس له المقال؟

ونقول: لقد أردنا أن نبين أن الآيتين المتناولتين للمال في سورتي البقرة والنساء إنما وردتا عقب آيات الصيام وآيات ما حرم من النساء؛ لأن الطهر الجسدي والنفسي بالصيام والطهر الأسري والجنسي بالنكاح الحلال والطهر  المالي بين المسلمين هو الهدف من الدين وهو الذي يحبه رب العالمين لعباده المؤمنين ويرضاه لهم ويرضيهم في الدنيا ويوم الدين (قَدْ أَفْلَحَ مَنْ تَزَكَّى * وَذَكَرَ اسْمَ رَبِّهِ فَصَلَّى)[الأعلى:14، 15]، (إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ التَّوَّابِينَ وَيُحِبُّ الْمُتَطَهِّرِينَ)[البقرة:222]، وإنه لَحُبٌ فيه يتنافس المتنافسون، أما بيان الآيتين الخاصة بتحريم أكل أموالنا بالباطل وإيضاح معناهما والهدف، فإن ذلك له الحلقة القادمة ستخصص بإذن الله؛ لأنه موضوعٌ له أهميةٌ في دين الله، وهو الأساس لمن يريد أن ينال حب الله؛ فإلى غدٍ نعدكم بعون الله.




اترك تعليقك

%d مدونون معجبون بهذه: