بحث قرءاني في دحض أقاويل الناسخ والمنسوخ ؟!

هذا بحثٌ هام واستعراضٌ عام لعدد من آيات القران الذي يقول عنه الله ﴿ وَإِنَهُ لَكِتَابٌ عَزِيْزَ لا َيَأْتِيْهِ اَلْبَاطِلُ مِنْ بَيْنَ يَديْهِ وَلاَ مِنْ خَلفِهِ تَنْزِيْلٌ مِنْ حَكِيْمِِ حَمِيْد ﴾ فصلت  41/42

نريد في هذا العرض أن نعيد الحق إلى نصابه والفهم الى محرابه وأن نقرئ الآيات قراءة ً تتفق مع عظمة من أنزلها وتتسق مع السياق الذي يحيط بها من بين يديها ومن خلفها ذلك وان كثيراً من أقاويل الأهواء ومن روايات الغواء أخذت الآيات إلى غير المعنى والمراد وطوعتها لما يهواه الناس ﴿ وَلُو اِتَبَعَ أَلحَقَ أَهْوَائَهُمْ لَفَسَدَتْ السَمَوَاتِ والأرض وَمَنْ فِيْهِنَ بَلْ أتَيْنَهُمْ بِذِكْرِهِمْ فَهُمْ عَنْ ذِكْرِهِمْ مُعرِضُونَ ﴾المؤمنون 71

فالقرآن الكريم ذكر وعلم أتانا من الله الحق وأنزله بالحق ولكن الأهواء إعوجت بالمعاني إلى ما تهوى وتريد وهذا هو الذي يستحق السخط من الله والوعيد ﴿ إن الذين يلحدون في آيتنا لا يخفون علينا أفمن يلقى في النار خيرٌ أم من يأتي آمناً يوم القيامة اعملوا ما شئتم إنه بما تعلمون بصير﴾ فصلت 40

فهل نرضى لأنفسنا الاستماع إلى الروايات والأقاويل المنحرفة بالآيات ثم نترك ذلك بلا استدراك ولا بيان ولا توضيحٍ ولا تصحيح ؟ كلا. إن ذلك لا يرضاه أولو الألباب وإلا فقد رضينا أن نلقى في النار وأن ندخل تحت طائلة وعيد الله الجبار .وإذن فإن من واجبي كمسلم وكمؤمن بالقرآن أن أقف بالمرصاد لمن يريد بالقرآن غير المراد , وان أعيد من انحرف عن الرشاد إلى طريق السداد .

سواءً أراد ذلك قاصدا معتمدا او إنساق وراء الأقاويل بلا تدبر ومسلم بالروايات بلا تذكر , ولست بهذا اتهم من انساق غافلاً ولست ممن يسمي نفسه كاملاً , لكني اقصد بهذا رضاء وجه ربي الأعلى وهو الذي يعلم السر وأخفى .

وبعد فلن أطيل المقدمة ولكني ادخل إلى المهمه بعزم وهمه مستعيناً بالله ربي وهو حسبي في بيان الآية من سورة البقرة  ﴿ مَانَنْسِخْ مِنْ َأيَةٍ َأوْ نُنْسِهَا نَأتِيْ بخير منها أو مثلها ألم تعلم بأن الله على كل شيٍ قدير ﴾ البقرة 106

لقد وردت في هذه الآية من الأقاويل ما يجعل الولدان شيوخاً ونسجت حولها من الروايات ما يجعل اغلب القران منسوخاً , تعالى الله منزله عما يقولونه , فالقران لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه، كيفلا وهو تنزيلٌ من حكيم حميد. والحكيم الحميد يعلم كل قديم وجديد ويعلم ما يضر وما يفيد قبل أن يعرفه العبيد فكيف يقول قولاً وينقضه , وكيف يحكم حكماً ويرفضه , هذا عملٌ لا يليق إلا بالجهال والأغبياء وبالحمقاء والسفهاء وبأصحاب اللغو والهوى تعالى الله عن ذلك علواً كبيرا.

ولست بحاجة إلى إيراد كل الأقاويل والروايات فذلك مبسوط في كتب التفسير معروف للصغير والكبير، فمن شاء فليرجع اليها وسيجدها تبرز في وجوه السطور. لكني سأبدأ الآن بشرح معنى الآية وتوضيح المراد معتمداً على سياق الآيات قبلها وبعدها كل الاعتماد. فإن السياق يسفر عن الخفايا ويبين أن الروايات واهية.

فلا يستغرب احدكم ويقول كيف لك أن تحدد معنى الآيات وتفهم مدلول الكلمات من السياق إن هذا مقياس لا يقول به أحد من أهل اللغة  ولا يعتمده أحدٌ من الحذاق. إنه اعتراض غير موفق وغير دقيق، بل الأمر في ذلك واضح في اللغة موثق أشد توثيق، لا ينكره إلا من جهل الى اللغة الطريق، والدليل على ذلك يفصح عن نفسه في كل حرف واسم لغوي وفي كل نطق عربي، امثلا كلمه (من) يفتح الميم إنها تأتي شرطيه واستفهاميه فمن الذي يستطيع إن يحدد معناها ويعرف دلالتها بدون أن يتأمل في سياقها.

إنها في قولك ﴿ َمَن يَعْمَل سُوْءً يُجْزَبِه ﴾ شرطيةٌ بدليل جزم الفعلين بعدها. كما انها في قوله تعالى ﴿ وقالوا لن يدخل الجنة إلا من كان هوداً أو نصارى ﴾ البقرة 122 موصولة بلا شك فمن كان هوداً بمعنى الذي كان. أما في قوله تعالى ﴿ومن أظلم ممن منع مساجد الله ان يذكر فيها اسمه وسعى في خرابها أولئك ماكان لهم ان يدخلوها إلاخائفين﴾ البقرة 114 فقد اجتمع فيها من الاستفهامية في أول الآية والموصولة في قوله ( ممن منع ) أي الذي منع، فمن الذي حدد معنى الكلمة في كل موقع من مواقعها المتقاربة إنه السياق وما يحط بها من كلمات، ولهذا فإنها في قوله تعالى ﴿من ذا لذي يشفع عنده إلا بإذنه ﴾ استفهامية، ولا تستطيع ان تقول أنها موصولة لأن ما حولها يحدد الاستفهام الذي فيه معنى النفي والاستنكار بدليل وجود إلا الاستثنائية بعدها.

وكذلك القول في كلمة (ما) فإنها ترد نافية واستفهاميه وشرطية وموصولة ومصدرية, إنها في الآية التي نحن بصددها في سورة البقرة شرطية بلا شك ولم يحدد هذا المعنى لها إلا السياق الذي يؤكد شرطيتها، كما انها في قوله تعالى بعد ذلك ( أم تريدون ان تسألوا رسولكم كما سئل موسى من قبل) مصدرية أي كسؤال موسى من قبل فقد دلنا الفعل الذي بعدها بالمصدر. وهي في قوله تعالى بعد ذلك ( وما تقدموا لأنفسكم من خير تجدوه عند الله إن الله بما تعملون بصير) شرطية في اول الآية ومصدرية في آخرها.

كذلك القول في كلمة إن بكسر الهمزة وتحفيف النون فهي تأتي نافية، وتأتي شرطية، وتأتي مخففة من الثقيلة . فالشرطية كقوله تعالى ﴿إن انتم إلافي ضلال مبين﴾ بدليل الاشارة بعدها، والشرطية كقوله تعالى﴿ َوإن تُبْدُوا مَا فِي أنفُسِكُم أو تُخْفُوه يُحَاسِبْكُمْ بِه الله﴾. أما المخففة من الثقيلة فهي في قوله تعالى ﴿وَإن كُنْتُمْ مِنْ قَبْلِه لمَن الضَالِيْنً ﴾ بدليل لام التوكيد بعدها في قوله لمن الضالين، وكفى بهذا دليلاً على أن السياق هو المحدد لمعنى الحمل.

فهل بعد هذا تنكرون علي أن اُبين الآية المقصودة هنا من خلال ما يحيط بها من الآيات ومن خلال سياقها معهن ، اعتقد ان من ينكر هذا يحاول تغطية الشمس بأصابعه وإيقاف امواج البحر بجفونه، وعلى هذا فلنعد إلى الآية لنقرأها على ضوء ما بين يديها من الآيات وما خلفها من الآيات ليتضح لنا معناها ﴿ مَا نْنسخ من آية او ننسها نات بخير منها او مثلها لم تعلم ان الله على كل شي قدير﴾ .

لكي نتبين المراد لابد أن نقرأ ما قبلها ونتدبر ما ورد فيها من البينات، لو تأملنا السياق بإنصاف ولو عدنا الى الآيات بتدبر لوجدنا الآية تأتي في سياق واضح في السورة وهو لجدال بني اسرائيل، وهذا الجدال يبدأ بقوله تعالى ﴿ يا بني اسرائيل اذكروا نعمتي التي انعمت عليكم واوفوا بعهدي أوف بعهدكم وإياي فارهبون وآمنوا بما أنزلت مصدقاً لما معكم ولا تكونوا أول كافرٍ به ولا تشتروا بآياتي ثمناً قليلا وإياي فاتقون﴾ البقرة 40 -41. إنها آيات تتوالى من الآية رقم 40 وتنتهي الى الآية 151، فلقد أخذ الحوار مع بني اسرائيل ما يقرب نصف السورة، بل يزيد على الثلث وليس هذا إلا دفاعاً عن القرآن الذي تبدأ السورة بالحديث عنه ﴿ذلك الكتاب لاريب فيه هدى للمتقين  ﴾، وتنتهي بالتأكيد على الإيمان به ﴿ آمن الرسول بما أنزل إليه من ربه والمؤمنون﴾ البقرة 185.

وبما أن القرآن هو الآية الوحيدة والدليل الأنصع على نبوة محمد ورسالته، فإن من المهم ان يؤكد هذا الموضوع بشتى السبل وأن يؤيد بمختلف الأساليب. ولهذا كان الجدال مع بني اسرائيل الذين ظلوا على ريب من القرآن ومن الرسول ومن صحة الكتاب المنزل إليه. فكان لابد من فضح أساليبهم ورفض حججهم بما يجعل دواعيهم باطلاً وريبهم كفراً وضلالاً. وكيفلا وهم يطلبون من الرسول تأكيد صدق رسالته، كما جاء موسى بآيات معجزات وكما جاء عيسى بآيات وبينات لتأكيد رسالتيهما.

وهذا ما كان يلح عليه المشركون، لكن الله يؤكد في هذه الآيات التي اشرنا اليها أن بني إسرائيل قد كذّبوا بتلك الآيات كلها، فكيف يطلبون مثلها من رسول الله محمد، وكيف يطالبون بآية تؤكد أنه رسولٌ من الله  وأن القران منزل من الرحمن. إن هذا لعناد وكفر وطغيان. وما على المؤمنين إلا أن يؤمنوا بهذا القران فهو دليل على أن الرسول صادق وهو الآية التي لاريب فيها ولا جدال. أما ما أؤتي من سبقه من الرسل من الآيات فقد نسخت ولم يبقى لها شأن في الإيمان، فقد اختار الله للناس هذا القرآن وجاء فيه بالبرهان الذي لا يرتاب فيه إلا متبع للشيطان، وكيفلا وهو مصدق لما سبق من الكتاب. بل هو منزل من الله الذي يعلم ما في السموات والأرض وهو على كل شي قدير، وهو البديع الذي يوجد الخلق على غير سابق مثال وهو الذي يخلق ما يشاء ويختار وليس للناس من الخيار إلا ما يختار. فلا يجوز أن يقيسوا البديع القدير على المخلوق الفقير، ولا يصح أن يطلبوا من الله الحق شيئاً يشبه ما سبق. إن هذا لا يليق بالله الذي يبدع ويختار.

وعلى أي حال فاني لا أسترسل ولن أطيل ولكني انتقل بالقول الى الدليل . فلنعد الى ما سبق من الآيات لنقرأها بتدبر فإن ذلك هو الطريق لمن تذكر. سنجد الله سبحانه وتعالى بعد خطابه لبني اسرائيل بتلك الآيات يسرد الآيات والمعجزات التي شهدها بنو اسرائيل وكذبوا بها وارتابوا، وها هو يبدأ بقوله تعالى ﴿وإذ نجيناكم من آل فرعون يسومونكم سوء العذاب يذبحون أبنائكم ويستحيون نسائكم وفي ذلكم بلاء من ربكم عظيم وإذ فرقنا بكم البحر فأنجيناكم وأغرقنا آل فرعون وأنتم تنظرون ﴾، إلى ان يقول ﴿وإذ قلتم يا موسى لن نؤمن لك حتى نرى الله جهرةً فأخذتكم الصاعقة وأنتم تنظرون ثم بعثناكم من بعد موتكم لعلكم تشكرون وظللنا عليكم الغمام وانزلنا عليكم المن والسلوى كلوا من طيبات ما رزقناكم وما ظلمونا ولكن كانوا انفسهم يظلمون ﴾. فهل بعد هذا الظلم من ظلم، وهل بعد هذا الريب من ريب. فهم يرون الآيات تتوالى والبينات تتجلى ومع ذلك يستمرون على الريب والمراء على الضلال والعمى، فهل تفيد الآيات مع هؤلاء وهل يقف الأمر عند تلك الآيات؟

بل توالت عليهم وهم مستمرون في غيهم، قال تعالى ﴿ وإذ استسقى موسى لقومه فقلنا اضرب بعصاك البحر فانفجرت منه اثنتا عشرة عيناً قد علم كل أناس مشربهم كلوا واشربوا من رزق الله ولا تعثوا في الأرض مفسدين ﴾. لكنهم ظلوا مصرين على الفساد ومتمسكين بالعناد حتى وصل بهم الأمر الى العتو عن كل سداد. قال تعالى ﴿وإذ أخذنا ميثاقكم ورفعنا فوقكم الطور خذوا ما آتيناكم بقوة وذكروا ما فيه لعلكم تتقون ثم توليتم بعد ذلك فلولا فضل الله عليكم ورحمته لكنتم من الخاسرين ﴾ ولكن الخسران كان حليفهم رغم الآيات والتواني كان دئبهم رغم البينات، ولست بحاجة الى ايراد قصتهم مع البقرة وموقفهم المتردد أمام الله وأوامره، فهي واضحة البيان لكل نفس متذكره وهي القصة التي سميت بها السورة،  لكني أورد التعقيب عليها من الله الذي جعلها آية لمن يعيها فقال تعالى ﴿ فقلنا أضربوه ببعضها كذلك يحي الله الموتى ويريكم آياته لعلكم تعقلون﴾ فهل عقلوا وهل لانت قلوبهم ووجلت، كلا بل تحجرت وكانت كما يقول الله وهو الصادق ﴿  ثم قست قلوبكم من بعج ذلك فهي كالحجارة أو أشد قسوةً  ﴾ لكن هذه القسوة لا تخفى على الله، وهو ليس عنها في غفلة بل هو الرقيب ﴿ وما الله بغافل عن ما تعملون ﴾.

وعلى هذا الأساس فإن الله يخاطب المؤمنين بأن هذا النوع من الناس لا يمكن ان يكونوا مؤمنين ولا يصح أن يطمع المؤمنون في ايمانهم بالقرآن المبين، لأنهم كذبوا بالآيات التي لا تخفى وحرفوا البينات، فكانوا أمامها كالحجارة وأقسى، ولهذا يقول الله لنا ﴿  أفتطمعون أن يؤمنوا لكم وقد كان فريق منهم يسمعون كلام الله ثم يحرفونه من بعد ما عقلوه وهم يعلمون﴾. ومن كان محرفاً لكتاب الله ومنصرفاً عن كلام الله وقد عقله وعلم به فإنه ميؤوس من إيمانه، ولا يتوقع منه إلا التكذيب والارتياب. وكيف لمثل لهؤلاء أن يؤمنوا وقد كذبوا بآيات كثيرة، وكيف يطلبون من الرسول آيات أمثالها. إن هذه ليست إلا مطالب مثيرة، وكيفلا وقد كذبوا بالرسل وآياتهم وزاغت قلوبهم رغم بيناتهم. وها هو الله يوضح لنا سيئاتهم في اتباع أهوائهم ﴿ولقد آتينا موسى الكتاب وقفّينا من بعده بالرسل وآتينا عيسى بن مريم البيّنات وأيّدناه بروح القدس أفكلما جاءكم رسول بما لا تهوى أنفسكم استكبرتم ففريقاً كذبتم وفريقاً تقتلون ﴾. هذا والله هو الضلال والعدوان الذي يجعلهم يرفضون كل رسول وبيان، ولهذا لعنوا على كل لسان.

فهذا هو شأنهم مع كل رسول وهذا هو دينهم في كل جيل. وكيفلا والله عنهم ولهم يقول ﴿ ولقد جاءكم موسى بالبينات ثم اتخذتم العجل من بعده وأنتم ظالمون ﴾. وهكذا استمروا حتى جاءهم الرسول الذي انتظروه، فإذا بهم قد تنكروا ﴿ ولما جاءهم رسول من عند الله مصدقٌ لما معهم نبذ فريقٌ  من الذين أوتوا الكتاب كتاب الله وراء ظهورهم كأنهم لا يعلمون﴾ فهم فعلاً لا يعلمون رغم علمهم، هم جهلاء لأنهم مكذبون وللدنيا محبون ولهذا فإنهم نبذوا الكتاب والبرهان ﴿ واتبعوا ما تتلوا الشياطين على ملك سليمان وما كفر سليمان ولكن الشياطين كفروا يعلمون الناس السحر﴾ فهم محبون للمال ميالون للكفر والضلال ﴿ولو أنهم آمنوا واتقوا لمثوبة من عند الله خيرٌ لو كانوا يعلمون ﴾.

إذن فإنهم كافرون بدينهم، وما طلبهم – بني اسرائيل- للآيات والحاح المشركين معهم عليها إلا من باب العناد والتعنت المبين، لأنهم بالآيات غير مصدقين. إذن فهم لا يريدون بذلك الا حرمان المؤمنين من الخير الذي اختاره لهم رب العالمين وهذا ما أكدته الآيات ﴿ ما يود الذين كفروا من أهل الكتاب والمشركين أن ينزل عليكم من خير من ربكم والله يختص برحمته من يشاء والله ذو الفضل العظيم ﴾. فالقران رحمة وخير وفضل اختص به الله الرسول النبي ومن اتبعه، والله يختص برحمته من يشاء وفضله واسع عظيم، ولكن هذا الخير لا ينفع من زاغ قلبه عن الإيمان.

وعلى هذا الأساس يؤكد الله أن مثل آيات موسى وعيسى منسوخة ولا تصلح لكل زمان ﴿ ما ننسخ من آية أو ننسها نأت بخير منها أو مثلها ألم تعلم ان الله على كل شيء قدير ألم تعلم أن الله له ملك السموات والأرض ومالكم من دون الله من ولي ولا نصير﴾ كما أنه  يعلن أنه قادر على انزال الآيات وعلى الإتيان بالمعجزات ولكنه اختار لهذا النبي الخاتم أسلوبا يختلف عمن تقدم ليكون رسول العالمين، ولتكون آيته غير معرضة للنسخ والتبديل بل باقية لكل زمان وجيل. وكيفلا والله على كل شيء قدير، فلقد اختار آية هي خير من الآيات الأولى. ذلك أنه هو الولي الذي يختار ويقدر، وهو للمؤمنين الولي لا سواه، وهو النصير الذي لا يغلب من والاه ولكنه يذل من عاداه.

إن هذا الخطاب لاشك يقنع المؤمنين بأن يكتفوا بالقران وأن يضربوا صفحاً عمّا يسأله المكذبون من البرهان. فلقد سئلوا موسى من قبل فكان ذلك محقاً للإيمان، ولهذا قال لهم الله مهدداً ومحذراً ﴿أم تريدون أن تسألوا رسولكم كما سئل موسى من قبل ومن يتبدل الكفر بالإيمان فقد ضل سواء السبيل ﴾ أليس في هذه الآية الدليل الواضح على أن المراد بالآية المشار إليها في قوله تعالى ( ما ننسخ من آية ) إنما هي التي أوتيها موسى،، وعليه فإن سؤال محمد آية مثلها إنما هو كفر وضلال، لأن بني إسرائيل قد كذبوا بها على كثرتها، ولم تجد شيئاً في هدايتهم إلى سواء السبيل، بل استمروا في ضلال وبيل. فهل يريد المؤمنون أن يكونوا على طريق الضلال؟ وهل يريدون ان يتبدلوا الكفر بالإيمان؟ كلا  إن هذا لا يرضاه لنفسه ذو لبٍ وعقلٍ سليم، فليكونوا مؤمنين بما اختاره لهم الله العليم.

وبعد فلقد استعرضنا الى هنا الآيات القرآنية التي سبقت والآية التي نبحثها، وتأكد لنا أن المراد بكلمة ( آية ) في قوله تعالى ( ما ننسخ من آية أو ننسها) إنما المراد بها الآيات التي أوتيها موسى وعيسى. ولو تتبعنا آية القرآن التي هي قيد البحث وما يليها فإننا سنجد فيها أن بقدرته ينسخ ويبدل ويختار ويجدد، فإذا نسخ آية من آيات النبوة الأولى فإنه قادر على أن يأتي بخير منها لأنه على كل شئ قدير. فهو لا يخلق على سابق مثال ولكنه يبدع الخلق على أحسن حال ثم إنه الذي ملك السموات والأرض، أي علم ما فيها والعليم هو القدير على كل شئ. وإذا كان كذلك فهو الولي والنصير وليس للمؤمنين وليٌ سواه، فليسلموا بما اختاره وما ارتضاه. ولقد اختار لهم القران آية كبرى بل إن آيات القران هي الذكرى لمن شاء أن يتقدم أو يتأخر. فإذا سألوا آية سوى القرآن فقد تخلفوا وتأخروا عن السبق الى الإيمان. ولهذا يقول لهم الله مستغربا ومهدداً ﴿أم تريدون أن تسألوا رسولكم كما سئل موسى من قبل ومن يتبدل الكفر بالإيمان فقد ضل سواء السبيل ﴾ إن هذه الآية اقوى دليل على أن المراد بالآية المنسوخة في قوله ( ما ننسخ من آية) إنما هي آيات موسى وعيسى وما سبقهما من ناقة صالح، فمن سأل مثل ذلك فقد حاد عن  السبيل الصالح ومال عن المقام الفالح. وهذا هو ما يريده الكفار من اهل الكتاب للمؤمنين أُولي الألباب، بل إن كثيرا من أهل الكتاب والمشركين يودون لو يردّون المؤمنين كفارا من بعد إيمانهم حسدا من عند أنفسهم.

فإذا أصغى المؤمنون لمطالب اهل الكتاب والمشركين وألحوا على الرسول أن يأتي بآية كآيات موسى، فقد تحقق فيهم ما يوده لهم أهل الكتاب وهو الكفر بعد الإيمان، مع العلم أن أهل الكتاب إنما يطلبون ذلك حسداً للرسول وللمؤمنين وهم يعلمون أن ما جاء به من القران هو الحق المبين. فما على المؤمنين إلا أن يتركوا أهل الكتاب بضلالهم وليصفحوا عن حسدهم فإن الله سيأتي بأمره في شانهم فهو على كل شي قدير. وهكذا تمضي الآيات في سورة البقرة لتؤكد أن أهل الكتاب أنفسهم يكذب أحدهم الآخر مع أنهم يتلون الكتاب. فكيفلا يكذبون ما جاء من عند الله مع الرسول محمد صلى الله عليه وآله وسلم.

One Thought on “بحث قرءاني في دحض أقاويل الناسخ والمنسوخ ؟!

  1. بحث ممتاز وموفق والذين قالوا بالنسخ عبارة عن جماعة من الارهابيين زعموا ان اية=يسمونها اية السيف=نسخت كل الايات التى تدعوا لحسن معاملة الاخرين افتراءا على الله وزعموا ان المنسوخ لايعمل به لانه فى نظرهم باطل مع ان الكتاب=لاياتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه=بوركتم وبورك سعيكم

اترك تعليقك

%d مدونون معجبون بهذه: